العراق دولة من دون إستراتيجية، من حق العراقيين الخوف من كل شئ
يحق لنا الخوف على مستقبل العراق، لسببين رئيسيين:
السبب الأول: إن الاتجاه العام في السياسة العراقية ومنذ سقوط نظام صدام وحتى الآن، يعتمد على أساس الإستعانة بالخارج، في المجالين السياسي والأمني. فالأزمات السياسية تبقى تدور في دوائرها المغلقة حتى تتصاعد وتشتد وعند ذاك يلجأ أطرافها الى الاستجابة لتوجيهات خارجية، وقد اصبحت هذه الظاهرة مألوفة الى حد كبير لدى كافة الكيانات السياسية.
وفي المجال الأمني كان الاعتماد الأكبر على القوات الأميركية حتى نهاية عام 2011، حيث انسحبت من العراق بناءً على الاتفاقية الأمنية، ولم تستطع الحكومة العراقية أن تملأ الفراغ بشكل حقيقي، إنما كان عملاً صورياً إستعراضياً تكشفت عيوبه الفادحة في واقعة الموصل وما بعدها، حيث عاد القرار العراقي يطلب العون من الولايات المتحدة لحماية البلد من الإنهيار.
السبب الثاني من اسباب الخوف، غياب الرؤية الاستراتيجية لدى صنّاع القرار العراقي، بل أن القضية في حقيقتها تصل الى درجة أكثر حراجة وبؤساً عندما نعترف بحقيقة ضياع القرار العراقي، فليست هناك سلطة مركزية تصنع القرار، فما يجري في العراق هو مراكز قوى تتقاسم القرار الحكومي، فهو مجموعة قرارات متوزعة على الكتل السياسية، حسب نظام المحاصصة الذي جعل كل وزارة مستقلة في توجهاتها عن الأخريات.
وفي ضوء هذا التمزق، فان إستراتيجة العمل من الصعب أن تنشأ، لأن ذلك سيدخل ضمن حسابات المصالح الفئوية للأطراف المشاركة في الحكومة.
علينا أن نشير هنا أن الحكومة المركزية في بغداد، تواجه صعوبات صناعة القرار داخل مكوناتها أصعب بكثير مما تواجهه مع حكومة كردستان، ففي الحالة الثانية تتعامل حكومة بغداد مع كيان شاخص له محددات دستورية، أما في الحالة الأولى أي صناعة القرار داخل الحكومة المركزية، فانها تواجه مكوناتها الداخلية في تقاطعات ومنافسات حادة، مما يعيق الوصول الى موقف قوي مؤثر.
وخلاصة ما نريد الوصول اليه، أن قدرة الحكومة العراقية على مواجهة التحديات في ضوء واقعها الحالي، مسألة صعبة، فهي على المستوى الداخلي تواجه التعددية المتنافسة، وعلى المستوى الخارجي تتعامل بعقلية الاستجابة وانتظار ما يقدمه الآخرون لخدمة العراق.
لكن للصورة المعتمة هذه، زاوية مضيئة، فتجارب مشابهة وربما أكثر تدهوراً من العراق، واجهتها عدة دول، لكنها استطاعت الخروج من الأزمات والتحديات، عندما عرفت حكوماتها كيف تختار المسار، فمثلاً في البوسنة والهرسك اعتمدت الحكومة سياسة خارجية ذكية الى حد كبير، عندما اقنعت الدول الأوروبية بإحراج الولايات المتحدة وحملها على التدخل العسكري الفاعل (ظل كلينتون يشعر بالمرارة من تلك التجربة ويصف توني بلير بأنه أجبره على التدخل العسكري).
وفي تجارب أخرى ما قامت به الصين وايران وفيتنام وغيرها، باعتماد سياسة غلق الأبواب مع بعض دول الجوار لتقليص حجم الأزمات الخارجية الى أدنى مستوى، والاهتمام بالبناء الداخلي.
إن إعادة بناء دولة لا يمكن ان يتم بالاعتماد على ما يفعله الآخرون لها، فلسنا في مجتمع خدمات دولية، إنما هو صراع دولي وتنافس مصلحي.
من حق العراقيين أن يخافوا على مستقبلهم، عندما لا يرون استراتيجية واضحة تقوم عليها حكومتهم، مع كل الأمل بأن تبلور الحكومة الجديدة هذه الاستراتيجية قريباً. الراية
مواضيع ومقالات مشابهة